الشيخ السبحاني
49
المذاهب الإسلامية
لا شك انّ القول بالتوحيد في الخالقية وانّه لا خالق في صفحة الكون إلّااللَّه سبحانه من روائع الأُصول الّتي طرحها في عقائده ، خلافاً للمعتزلة حيث نفوا خالقيته سبحانه لفعل العبد وبذلك اعترفوا بالثنوية فاللَّه خالق كل شيء إلّافعل الإنسان ، والإنسان خالق لأفعاله إلّاأنّ تفسير التوحيد بالخالقية بشكل يسفر عن الجبر وسلب الاختيار ونفي العلل الطبيعية أمر غير صحيح ، فالتوحيد في الخالقية يجب أن يفسر على نحو ينسجم مع اختيار الإنسان أوّلًا ، ومسؤوليته ثانياً ، كما ينسجم مع ما كشف عنه العلم وما زال يكشف عن الأسباب والمؤثرات الطبيعية . والّذي يمكن أن يقال هو انّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه ، فالجليل والحقير ، والثقيل والخفيف عنده سواسية ، لكن ليس معنى الاستواء هو قيامه تعالى بكل شيء مباشرة وخلع التأثير عن الأسباب والعلل ، بل يعني انّ اللَّه سبحانه يظهر قدرته وسلطانه عن طريق خلق الأسباب ، وبعث العلل نحو المسببات والمعاليل ، والكلّ مخلوق له ، ومظاهر قدرته وحوله ، ولا حول ولا قوة إلّاباللَّه . فالأشعري خلع الأسباب والعلل - وهي جنود اللَّه سبحانه - عن مقام التأثير والإيجاد ، كما أنّ المعتزلي عزل سلطانه عن ملكه وجعل بعضاً منه في سلطان غيره ، أعني : فعل العبد في سلطانه . والحق الّذي عليه البرهان ويصدّقه الكتاب هو كون الفعل موجوداً بقدرتين لكن لا بقدرتين متساويتين ، ولا بمعنى علّتين تامّتين ، بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها « وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا